حوار مع أبى العلاء المعرى- عم مساء كان أولى أن تقول .. فصباحى كالمساء ! - لاترى الضوء ذُكَاء وهى نبع للضياء .. - قلت قبلا مثل هذا .. أو قريباً منه قلت : " أتدرى الشمس أن لها بهاء ! " . - أنت ما خَلَّفْت من شىء لشاعر ، إِذْ تحديتَ فأعجزت الأوائل ، والأواخر وأنا قد جئت في ذيل الأواخر . فتجاوز عن قصورى .. أو تقبل كبديل ، مثلا جاء من اليابان " طازة " : " ترتمى الظلمة دوما تحت أقدام النهار ! " . - مثل واللّه لا بأس به طابق الحال بياناً وبلاغة . غير أنى لم أسغ قولك ( طازة ) . بدلاً من قول ( طازج ) ! - سيدى كم حرت فى أمرك .. حقا لست أفهم ... كيف يغدو ثائر القوم ولوعا بالقيود! - كنت أهفو للخلود . - كان يغنيك الذي يلزم عما ليس يلزم ! - لاتكونوا كالثعالب .. تدعى في العجز زُهْداً فتسمى الكرم حصرم ! - ما عجزنا ويمينا بالخليل .. كلنا قلنا من الشعر المقفى قبل أن ننظم من غير المقفى . - هات شيئاً من مقفاك القديم ! " هيئوا اللحد والكَفَنْ * ها هنا غاية البدنْ مَلَّتِ النفسُ عيشَها * وغــدتْ تطلـب السَّكَنْ شَدَتِ الروحُ للثرى * ليتهـا تقطــع الرَّسَـــنْ علها تعرف الـذى * غاب في التَّيهِ و ادَّفَنْ " ثم ضقنا بالخليل ! - ولماذا ؟ - مثلاً .. لو لم نقف عند " ادَّفن " . لأَتَيْنا في تداعى القافيه ؟ " بالعفن " ! - ولكم جيل ولى في الشعر جيل . غير أنى موقن أن " العفن " . ربما يأتى بدون القافيه . مثلما يأتى بحكم القافيه - مستحيل ! - " وقد يفسد الفكر في حالة * فيوهمك الدر قطر السرا " هات من أشعاركم بعض النماذج .. كى نرى : ( أ ) " سيزيف قال لشهرزاد .. الصخرة العمياء أدركها الصباح وجناح ديدالوس ينشد للرياح .. أنشودة الدم والجليد : ما زلت .. ما زال العبيد ، ما زالت اللعنات تجري في الوريد ، ياريح ما زال الصديد علي الصديد ، ما زالت اللعنات تجرى في الوريد ، ياريح .. ما زال الصديد على الصديد ، كالعجه الصفراء .. فاخسأ يا زيوس يارب أرباب التيوس ، أنا لم أعد منهم .. أنا ما عدت تيسا .. فاشهدى ياشهرزاد ! " أبو العلاء : التيس ثار على التيوس .. لاهُمَّ فالطُفْ بالعباد ! نهداك ومصباح أحمر .. قمعا سكر ، فرخان بعش من مرمر ، أرنبتان .. قُبّرتان .. وتران لقيثار أخضر ، يا للأنغام اللبنية ، النغمة ترقص للنغمة ، وأنا في صدرك ثعبان ، مجنون .. يشفط في الحلمة .. حتى يسكر ! أبو العلاء : يازمنا ملعونا أغبر .. من قال بأن الانسان ، لا ينهش لحم ( النسوان ) في ضوء المصباح الأحمر ؟ ! " أحداق تابوت على الأسياخ خفاش يموت : وسعال برغوث يعوم بقلب حوت ، والفأرة الحمراء مشنقه المغيب ، والعنكبوت .. في القِدْرِ مثل الثلج يغلي ، وذيول قديسين ما زالت تصلى .. للقرد .. والعرافة الشمطاء .. جمجمة تبول ، والريح خازوق يطول .. أبو العلاء : الريح خازوق .. وخازوق يطول .. " هذا كلام له خبىء * معناه ليست لنا عقول " أبو العلاء : " انما هذه المذاهب أسباب * لجلب الدنيا إلى الشعراء (4) " ثم من باب الفضول .. - سيدى هل استمر ؟ - بل كفانى وكفاك .. " فرقا شعرت بأنها لاتقتن * خيرا وأن شرارها شعراؤها !" هم يلزمون - وحق ربك - لا أنا ما ليس يلزم ! - سيدى .. هذى من " الشراح " بعض العينات .. ! تشرح القلب الحزين ! - ان يكن هذا هو الشعر الجديد . فيقينى أن يجىء الشرح ( شرحه ) ! " وما أدب الأقوام في كل بلدة إلا المَيْن الا معشر ( شراح ) (5) " ثم من باب الفضول .. ياترى ماذا يقول اليوم عنى ؟ - أكثر الشراح في شعرك علكا والرواة .. - ويلنا منهم .. وقالوا : - متشائم ! - البهائم ! " فأَلْفَيْتُ البهائم لاعقول * تقيم لها الدليل ولا ضياء " قل لهم كم همت حبا بالحياة : " سألناها البقاء على أذاها * فقالت عنكم حظر البقاء " - قلت في الموت الكثير .. - كنت للموت غريما : " وكيف أقضى ساعة بمسرة * وأعلم أن الموت من غرمائى " كيف لا أكره ما يسرق منى ما أحب ؟ ثائراً كنت على الموتين : موت في حياة .. وحياة بعد موت ! - سيدى .. من كان بعد الموت بين الغرماء ؟ - الرياء .. ! " وقد فتشت عن أصحاب دين * لهم نسك وليس لهم رياء ! " - ما بتبريزك خلدت ولكن بتحدى الزيف أدركت الخلود . - كان عقلى مثلما النسر سجينا في قفص ، بزمان كان فظا " كالمغص " ! - هكذا حتما بحكم القافية ! - بل لقد ضاق بي الكون .. ومُذْ قال غيرى : " وهل يأبق الإنسان من ملك ربه فيخرج من أرض له وسماء " - أيها الثائر .. لم لذت بدارك ؟ - " أولو الفضل في أوطانهم غرباء ! " - لِمَ لَمْ ترحل .. - إلى أين الرحيل ؟ أى فرق بين أن أنفى بعصرى ، لو تروم الصدق أو أنفى بدارى ، أو أرانى ضائعاً في غير دارى ؟ ! - أى سر كنت تعنى حين قلت : " ولدى سر ليس يمكن ذكره * يخفى على البصراء وهو نهار أما الهدى فوجدته ما بيننا * سرا ولكن الضلال جهار " - من عهد آدم قام للفهماء في الناس الرقيب كأنه الجزار ! - أنت كيخوت .. - أبيت اللعن .. من كيخوت هذا ؟ ! - شاعر يعبر في كل العصور .. - وضرير ؟ ! - بل بصير كالضمير ، وشجاع كالضمير ، وتعيس كالضمير .. في زمان أجوف الجنبين .. معدوم الضمير ! - رحمة اللّه عليه وعلينا .. " غلب المين مذ كان على الخلق وماتت بغيظها الحكماء ! " العشاء الأخير
أنا العريس !! - نفديك بالدم يا معلم .. بالنفوس .. - لاتكذبوا .. فلسوف يسلمني الذي منكم يشاركني الغموس !! - أأنا أخونك ؟ - أنت قلت ! - ستنكرني ثلاثا قبلما الدَّيكُ يصيح . -إنَّا لنقسم يا مسيح .. ! - لاتقسموا .. فغدا أكون على الصليب ، وغد لناظره قريب ! لم الخداع ؟ إلى اللقاء - تقول - قل لهم إلى الأبد الوداع ! لا .. أنت تقتلهم إذا قلت الحقيقة ، يا للحقيقة ! كالخنجر المسموم يغرس في قلوبهم الرقيقة ، هل يجهشون وأنت تكتمها ، فماذا يفعلون .. لو قلتها .. لو قلت للأبد الوداع ؟ ! لا .. لا مفر من الخداع .. إلى اللقاء ! زرعت عند بابكم صفصافة ، في فرعها علقت قلبى .. قلت : راحل حبيبتى الوداع ، انى قرأت في كتيب قديم ، نصيحة يقولها حكيم : ( يا أيها العشاق .. لاتدعوا الهوى ، من قبل أن تجربوا الفراق ! ) حبيبتى رحلت كى أجرب الفراق . وساعة الرحيل من قمحنا أخذت حفنتين ، من نخلنا أخذت تمرتين ، من قطننا أخذ لوزتين ، من نيلنا أخذت جرعتين ، من شعرك الجميل خصلتين ، ومرت الأيام .. اليوم يا حبيبتى بشهر والشهر ياحبيبتى بعام والعام يا حبيبتى كدهر ، يا أيها الحكيم اني فارس العشاق ، ما لوعة الأشواق ، أنا الذي من بينهم عرفت ما الفراق ، ما لوعة الأشواق قلبى على صفصافتى يخضر لو تخضر ، يرف لو ترف ، يدف كالعصفور لو يداعب النسيم .. أوراقها .. يخضل لو تخضل ، يبتل لو تبتل بالمطر ، يهتز لو تهزها الرياح ،يرتجف ، يجف لو تجف . صفصافتى أنا .. أنا أموت لو تموت ! ويلاه .. حتى أنت يا بروت ! ..اذن قد تم ثالوث المحال ، ( الغول والعنقاء والخل الوفى ) واذن فما في الأرض انسان ، وما تحت الجلود.. غير السعالى والثعالب والذئاب أم علها أضغاث كابوس .. أحقاً بروث ؟ أغرز بصدري النَّصْلَ حتى آخر المقبض .. إما أن أموت .. أو أن أفيق ! . أم أننى من قبل كنت أعيش في حلم جميل ، والآن أصحو كاليتيم على حريق ! هل كان حلما يا صديقى .. يا .. صديق ؟ ! باللّه لاتطرق وحدق فى .. حدق .. لأغوص في عينيك حتى القاع .. دعنى ألمس الغدر الدفين لكي أصدق . جحران .. بل بئران .. بل قبران .. لا بل خنجران ! هاتوا إذن لوحا من الصوان وأتونى بإزميل لأنقش فوقه رسم الخيانة . الوجه وجهك يابروت ؟ وهناك في الأعماق يقعى قلب أفعى .. يرحم اللّه الضحايا .. يرحم اللّه الضحايا . يقولون هذا زمان يهوذا . فياليتهم صدقوا الخبر ، يهوذا أصاخ لصوت الضمير وأسرع من عاره فانتحر ، وأنت .. متى ياترى تستفيق متى تستفيق .. متى تنتحر ؟ ! الألفاظ كما المرآه ماذا يقبع للسعلاه .. في المرآه سوء السعلاه ؟ ماذا يبسم للانسان .. في المرآه سوى الانسان ؟ فى ألفاظك إعرف نفسك ! الألفاظ لها ميزان . ثمة لفظ قد يكسبك العالم لكن .. تخسر نفسك ! ثمة لفظ قد يفقدك العالم لكن .. تكسب نفسك ! ذِنْ الفاظك تعرف نفسك ..
وتدعونى لمائدتك 4- الأصل لدى أبى العلاء " إلى الرؤساء" . (5) الأصل لدى أبى العلاء " معشر أدباء " .
|